صحافي إيطالي يروي مغامرة الموت في فلسطين
كتبهاAbirJaber ، في 25 شباط 2007 الساعة: 20:00 م
صحافي إيطالي يروي مغامرة الموت في فلسطين
جيوفاني: "نصحونا بالخروج والبنادق مصوبة إلى رؤوسنا"
الأربعاء 17 أبريل 2002
عبير جابر : جريدة السفير اللبنانية
"كان الوضع سيئا في نابلس، مشينا لمسافات طويلة مع معداتنا وألبستنا الواقية من الرصاص، مررنا بالطرقات الجانبية بين المنازل، فالجنود الإسرائيليون كانوا يطلقون النار على الجميع، حتى على الصحافيين"، يقول جيوفاني بورزيو مراسل الجريدة الايطالية الأسبوعية "بانوراما" ل"السفير".
تنقل جيوفاني خلال الأيام العشر التي أمضاها في فلسطين، بين نابلس ورام الله وجنين وبيت لحم، وخرج لينقل الصور والمشاهد المؤلمة كما رآها في المدن والقرى الفلسطينية المحاصرة.
تنقل جيوفاني مع مجموعة من الصحافيين، بين المنازل المهدمة والأزقة للوصول الى مناطق الحصار. وكان < <الأصدقاء الفلسطينيون يساعدوننا لايجاد الطرق الآمنة، لكن مع ذلك كان الأمر صعبا>>. في النهاية وصل الصحافيون الى مدينة نابلس. الوضع هناك < <خطير جدا وسيء للغاية>>، يوضح جيوفاني < <الجنود الإسرائيليون يمشطون المنطقة بفرق خاصة مجهزة بالكلاب والبنادق والقنابل>>.
في مخيم الفلسطينيين في < <العين>> في المدينة، رأى الصحافي الايطالي < <أمورا مريعة>>. الصمت < <الغريب>> كما يصفه جيوفاني، < <يسيطر على المخيم، يقطعه صراخ الجنود الإسرائيليين عبر مكبرات الصوت، كانوا يدعون الرجال والشباب من عمر 16 سنة حتى 65 سنة للخروج وتسليم أنفسهم>>.
الأمر بدا مؤلما بالنسبة لجيوفاني: الجنود يصرخون ليدعوا الناجين من المجازر الى الاستسلام للمصير المجهول. < <طلبوا منهم الكشف عن بطونهم ليتأكدوا من عدم تزنيرها بالقنابل والمتفجرات>>. ويكمل جيوفاني < <كان كل واحد منهم يخرج كاشفا عن وسطه على مرأى من الجنود وتحت رحمة البنادق المصوبة الى رأسه، وفوهات مدافع الدبابات الموجهة نحوهم>>.
< <كان الوضع مزريا. فقد خرج الرجال، الواحد تلو الآخر الى الشارع، مشوا بين الأسلاك الشائكة واقتيدوا جميعا الى المعتقل. لم يرحموا حتى العجائز منهم>>، يقول جيوفاني الذي يرى في ما يحصل في نابلس < <مشابها لما جرى في الحرب العالمية الثانية من مجازر>>. ومع وجود الصحافيين في المدينة < <بدأ الإسرائيليون يتضايقون من وجودنا، وأجبرونا على التجمع معا للخروج من نابلس>>. طبعا جاء ذلك على شكل < <نصيحة>>، لكنها ترافقت مع < <الأسلحة المصوبة نحونا بدقة، فغادرنا المكان رافعي الأيدي بناء لأوامرهم>>.
في وسط المدينة < <كل شيء مدمر>> يصف بورزيو المشهد حيث استغل الأهالي المحاصرون < <فترة الهدوء ليبحثوا بين انقاض المنازل، عن قريب لهم طمره الردم>>. لم يكن أمامهم الا دقائق عدة هي فترة الهدوء الاستثنائية < <خرج الناس من الملاجئ، كان الأطفال يبكون والكبار انشغلوا بانتشال الجثث من تحت الأنقاض، أنا شخصيا رأيت جثتين>>. هذا ليس كل شيء < <كان الردم يغطي الأجساد المتمددة على الأرض وكان اخراجها صعبا جدا لأن بعض المنازل سقطت بأكملها على الموجودين فيها>>.
من هناك انتقل جيوفاني ورفاقه الى المستشفى، شاهدنا 13 جثة لفلسطينيين سقطو ا خلال القصف>>. وقام أحد الأطباء بإرشاد الصحافيين الى مقبرة جماعية صغيرة < <دفن فيها 14 فلسطينيا في حديقة أحد المنازل، بانتظار خروج الإسرائيليين من المدينة لاجراء مراسم الدفن اللازمة>>. علم جيوفاني من الطبيب انه < <عالج حتى ذلك اليوم 89 جريحا ورأى 65 جثة، وأكيد هناك المزيد>>.
في هذه الأثناء تلقى بورزيو رسالة على هاتفه الخلوي من زميله < <قال لي ان الإسرائيليين اكتشفوا الممر الذي دخلنا منه الى نابلس، لذا كان علينا الانتباه لأنهم سيأخذون منا الأفلام وأشرطة الفيديو المسجلة>>. كان على الصحافيين التصرف بسرعة فعمدوا الى اخفاء ما بحوزتهم من < <أدلة>>.< <أنا خبأت أفلامي في الخوذة، وعندما طلبوا مني الأفلام التي صورتها أعطيتهم أفلاما جديدة>>.
غادر الفريق نابلس في محاولة للوصول الى رام الله < <مدينة الحدث>>. < <كنا كلما اكتشفنا مدخلا يجده الإسرائيليون، وكأننا نلعب لعبة القط والفأر، وعندما حاولنا الوصول الى رام الله، والى مقر عرفات تحديدا بدا الأمر مستحيلا يقول جيوفاني. <<كانت المدينة مدمرة بالكامل عندما نجحنا في احدى محاولاتنا للتسلل اليها>>، لذا فضل الخروج من هناك خاصة بعد مقتل زميله المصور الايطالي رافاييل شيرييللو في المدينة منذ شهر تقريبا < <كما انني كدت اقتل أكثر من مرة، كان هذا خطيرا جدا>>.
جنين وبيت لحم
عبر قرية < <برقين>> تسلل جيوفاني بمساعدة < <دليل>> فلسطيني للوصول الى جنين. من احدى الزوايا خرج الصحافي ليرى السكان في حالة هلع، < <وصلنا الى حدود المخيم المحاصر لكن لم نجد المنفذ اليه>>. الجثث في كل مكان < <كان هذا منذ أربعة أيام عندما كانت المعارك تدور في الداخل بضراوة>>. ويوضح جيوفاني ان زملاءه الذين دخلوا المخيم، < <أخبرونا عن وجود الجثث في المنازل، لكن أنا أعتقد ان الجنود الإسرائيليين جمعوها قبل وصول الصحافيين>>.
ولما لم يستطع الصحافي الوصول الى جنين غادرها أول أمس الى بيت لحم. < <أوصلني السائق عبر المعابر الى المدينة>>. الصمت الذي كان مسيطرا على الشوارع سمح لجيوفاني ورفاقه بالانصات لما يحدث داخل المنازل والملاجئ. < <كنا نسمع في الشارع صوت الأهالي في المنازل يتهامسون، كما كنا نسمع وقع الآليات العسكرية والدبابات الإسرائيلية، فنحاول الابتعاد كلما اقترب الضجيج، او نختبئ إذا صادفنا الجنود فجأة>>.
اجتاز أماكن عديدة حتى وصل الى مسافة تبعد مئتي متر عن كنيسة المهد. الكنيسة محاصرة من كل صوب < <هناك رآني جندي إسرائيلي وصوب بندقيته نحوي فاختبأت في احد المنازل>>. منزل من ثلاث طبقات من منازل المدينة القديمة < <مخردق>> بالرصاص وآثار الشظايا بادية على جدرانه. في الداخل لا تزال آثار الرصاصة التي اصابت التلفزيون ظاهرة على الأرضية. < <هناك اختبأ الرجال والنساء وعشرون طفلا وعجوزان مع أولادهما، وقد اعتقلت قوات الاحتلال ابنيهما واقتادتهما الى جهة مجهولة>>.
كان الأطفال في المنزل يتلصصون من النوافذ، في محاولة لرؤية الدبابات العابرة في الشوارع < <لم يكن لديهم شيء آخر يفعلونه، اللعب ممنوع في الخارج، كانوا في حالة عصبية لأنهم هناك محاصرون منذ أكثر من أسبوعين>>. كانت النساء في المنزل، كما في كل المنطقة المحاصرة، يستغللن وقف اطلاق النار للخروج وشراء الطعام، < <لقد رأيت الخبز العفن هناك ولم يكن لديهم الطعام الكافي، وأخبروني انهم عرفوا ان السوق المركزي في المدينة قد دمر بالكامل>>.
قبل مروره بهذه المدن زار بورزيو غزة < <حيث كان الأمر جيدا واستطعت القيام بعملي بسهولة>>. ومساء أمس الأول وصل جيوفاني الى بيروت، مثقلا بمشاهدات توازي عمره الصحافي الممتد الى اثنين وعشرين عاما. وهو يختصر بكلمات قد لا تكون كافية للتعبير عن الواقع المرعب. (السفير اللبنانية)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : جريدة "السفير", صحافيون على خط النار | السمات:جريدة "السفير", صحافيون على خط النار
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























