سنابس تعيد إحياء العادة القديمة بمهرجان تراثي في العيد
الدوخلة قربان لعودة الحجاج إلى ديارهم وأهلهم سالمين
القطيف: عبير جابر
تتذكر أم عبد الله بكثير من الحين والشوق الإحتفال المسمى الدوخلة الذي يوافق اليوم الأول لعيد الأضحى، فهذا العيد مناسبة عزيزة على قلوب المسلمين في أنحاء العالم، لها وقع مميز في منطقة القطيف كما في العديد من دول الخليج العربي كالبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عمان. حيث كانت تقام في الماضي إحتفالية طفولية عفوية كنا نتباهى بزراعة الدوخلة في مطلع شهر ذي الحجة لتكون جاهزة يوم عيد الحج، وهي التسمية الأحب إلى الناس لعيد الأضحى المبارك، وتكمل أم عبد الله حيث يتسابق الأطفال إلى البحر لرميها مع ترديد أهازيج الدوخلة التي كنا نحفظها عن ظهر قلب. وتنشد أم عبد الله بما تذكره من لحن الأهزوجة دوخلتي حجي بي، على مُجي (مجيء) حبيبي، حبيبي غايب مكة، مكة يالمعمورة فيها السلاسل والذهب والنورة. ولا تعرف هذه السيدة القطيفية سبب إنحسار هذه العادة، لكنها تبدي سرورها لإعادة إحيائها في أنحاء من القطيف.
فقد أعادت صورة الأطفال وهم يركضون نحو البحر لرمي الدواخل تكرر عصر يوم العيد هذا العام، حيث شهدت منطقة سنابس في القطيف، إعادة إحياء للدوخلة، في محاولة لتعريف الأجيال الجديدة عليها وحفظها للأجيال القادمة كموروث شعبي مهم. حيث يعترف الكثير من أبناء الجيل الجديد بأنهم لم يسمعوا عن الدوخلة ولا يعرفون ماهيتها. فتوضح زينة أنها المرة الأولى التي تسمع عن هذا الطقس الشعبي المتوارث لكنني فرحت بالتعرف على هذا التقليد الشعبي، وزرعت دوخلة لأخي ليرميها في البحر يوم العيد، وتكمل متحسرة على الأيام التي مرت دون أن نتمتع بممارسة هذه الطقوس بسبب الكثير من العوامل وأهمها مغادرتي للمنطقة لفترة طويلة أثناء وجود والدي في عمل بالخارج. لكن وداد المبارك عندما سمعت بالدوخلة سارعت إلى والدتها التي فسرت لها تفاصيل هذه العادة الخليجية التي اندثرت في بعض البلدان وما زالت تصارع للبقاء في أماكن أخرى فاجأتني أمي بأنها تعرف الدوخلة ولمتها لأنها لم تعرفنا على تراثنا، لكنني وجدت في المهرجان المقام فرصة ملائمة لذلك.
فقد نشطت لجنة خاصة في منتدى سنابس الثقافي منذ شهر ونصف تقريباً، لتنظيم مهرجان الدوخلة 1426 في عيد الأضحى المبارك وهو مهرجان تراثي للأطفال يهدف إلى تعريف هم بالتقليد التراثي المعروف بالدوخلة وجميع الجوانب المتعلقة بها كمادة تراثية يجب المحافظة عليها وتوريثها للأجيال القادمة. يوضح الأستاذ حسن طلاق رئيس اللجنة المنظمة والمشرف على المنتدى أن المهرجان الإحتفال دعي إليه أطفال محافظة القطيف ككل حيث أن أهالي الخليج كلهم يعرفون هذه المناسبة، وشارك فيه حوالي 300 طفل من مختلف أنحاء المنطقة، إلى جانب العديد من الكبار الذين أتوا لإستعادة ذكريات الماضي.
ويوضح طلاق أنه في السنوات الماضية التجمع كان يتم بشكل عشوائي على البحر كما حصل في العام الماضي حيث يقصد الناس البحر بعد الغذاء ويقومون برمي الدواخل لكن بشكل فردي. ولأن الدوخلة كانت تقام على نطاق ضيق ومحدود من قبل بعض الأفراد لاحظنا ذلك ورأينا اهتمام الناس بهذه العادة وقررنا تشجيعهم. كما لقينا منهم التشجيع عندما علموا أن المناسبة ستكون بشكل منظم وبمشاركة واسعة يؤكد طلاق. وقامت اللجنة المنظمة بجمع المعلومات عن الدوخلة وأهازيجها من المعاصرين لهذه العادة فالناس تحفظ الموروث وخاصة كبار السن ومنهم عرفنا الأهازيج والتفاصيل المختلفة، وصحيح أن الناس نسيتها لفترة لكن هناك من ما يزال يحفظها.
وهكذا شهد كورنيش سنابس احتفالية جميلة شارك الأطفال فيها بصنع دواخلهم وحملوها إلى الشاطئ، حيث لم يقتصر المهرجان على رمي الدواخل بل تضمن فعاليات منوعة منها الفقرات التراثية والعروض الفنية التراثية بمشاركة عدد من الفنانين. كما عرضت أهازيج خاصة متعلقة بالدوخلة بالمناسبة من أداء نخبة من الأطفال، كما أقيم على هامش المهرجان مرسم الطفل من وحي المناسبة.
ولكن ما هي الدوخلة؟ وما خلفية هذه الطقوس؟
الدوخلة في لهجة أهل القطيف تعني السلة أو القفة وهي وعاء من الخوص يستخدمه المزارع ليأكل منه التمر، في مزرعته أو بستانه، حيث يعلقه على جدار الكوخ بواسطة عصا. وتستخدم هذه الدوخلة للزراعة أو أي وعاء آخر كعلبة فارغة من علب الطعام المحفوظ أو سلال الخوص الصغيرة لكن يراعى أن تكون في حجم يستطيع الطفل أن يحملها معه.
يستذكر أهل القطيف أن وقت عمل الدوخلة يكون مع انطلاق الحجاج لقضاء مناسك الحج أي في شهر شوال حيث كانت معظم القوافل تنطلق براً وتحتاج لوقت طويل للوصول إلى مكة. فكانت النسوة يصنعن الدوخلة لأطفالهن ليستذكروا بها الحاج الغائب حيث كان الطفل يردد أهزوجة حبيبي غايب مكة عند ريّها، فيرتبط بعلاقة جميلة مع هذه النبتة. ويردد الأطفال الأناشيد عند سقيهم لها ومنها :
دوخلتي حجي به ***حجي به حجي به
إلى مكة إغدي به ***المعمورة المعمورة
فيها السلاسل والذهب والنورة ***والنورة والنورة
إشربي من عـين خايس*** خايس خايس
اشربي من الطوايس*** الطوايس الطوايس
طوايس بيت الباشا ***الباشا الباشا
يا منفر الحشاشا*** الحشاشا والحـشاشا
يا سـلوقة العيد*** العيد العيد
اتودي بي إبعيد ***ابعيد ابعيد
إتلبسه اثياب المحرمة ***واعقـال إجـديـد إجـديـد إجـديـد
وكانت تتم زراعة حبوب الشعير أو الحبة حمرة، أو أي من الحبوب في الدوخلة التي تملأ بالطين والسماد من روث البقر أو الغنم، لكي تنمو بسرعة وتسقى يومياً لتواصل نموها حتى يوم العيد. وهناك من يصنعها من سعف النخيل التي تباع في سوق الخميس بالقطيف.
وتشكل رعاية الطفل بنفسه لدوخلته جزء مهم من هذه العادة، إذ انه سيحرص كل الحرص على ريها وتعليقها في مكان معرض